الحوسبة السحابية المتعددة من التعقيد إلى التمكين
بقلم: ياسر محمد باداوود، أخصائي المبيعات الإقليمية في شركة “نوتانيكس”.
أصبح مصطلح ” السحابات المتعددة” مرادفاً للتعقيد في قاموس العديد من مديري تقنية المعلومات. فإدارة منصات سحابية مختلفة من مزودي خدمات سحابية مختلفة تعني التعامل مع أدوات مختلفة، وأنظمة متداخلة، وسياسات أمنية غير متسقة، وعمليات تشغيل مجزأة، ومسؤوليات مشتتة، حيث تحولت الاستراتيجية التي بدأت بهدف تجنب التبعية لمزود واحد، أو تعزيز المرونة إلى كابوس إداري يعيق الابتكار ويُربك الميزانيات، لتصبح في النهاية فوضى عارمة.
الحقيقة أن المشكلة ليست في نموذج السحابات المتعددة، بل في التنفيذ، فجوهر المشكلة يكمن في النهج الخاطئ في التعامل مع السحابات المتعددة ككيانات منفصلة، حيث تختلف المعايير التقنية لكل سحابة، وتتباين واجهات الإدارة، وتتخصص فرق للعمل في كل بيئة على حدة. هذا النموذج التشغيلي يشبه إدارة بيئات معزولة بديلا عن بناء نظام موحد ومترابط، مما يؤدي إلى تعقيدات متزايدة وتكاليف خفية وفقدان للرؤية الشاملة.
إن الحل الجذري لهذه المشكلة لا يكمن في التخلي عن تعدد السحابات، بل في اعتماد نموذج إداري موحد يقوم على نظام هندسي متكامل يربط بين البيئات السحابية المتعددة، وأدوات إدارة موحدة للرصد والأمن السيبراني وإدارة البيانات، وإجراءات تشغيل قياسية عبر جميع المنصات، عند التنفيذ الصحيح لهذا النظام، تمتد فوائد هذا النموذج عبر جميع مستويات المؤسسة، من الفرق التقنية إلى الإدارة العليا.
الانتقال إلى نموذج موحد وشامل للسحابات المتعددة
عادة ما تبدأ رحلة “السحابات المتعددة” بشكل عفوي عندما يتبنى فريق التطوير منصة لمرونتها، ويختار قسم الأعمال مزوداً آخرا لتوفير التكاليف، بينما تلتزم وحدة ثالثة بسحابة مختلفة لاعتبارات الامتثال، ومع الوقت، تتحول هذه الخيارات التكتيكية إلى واقع دائم، مصحوباً بأعباء تقنية وتشغيلية متراكمة بسبب غياب استراتيجية واضحة يتم العمل بموجبها.
يعتمد النموذج الأمثل للسحابات المتعددة على ثلاث ركائز أساسية: طبقة تحكم مركزية توحد إدارة جميع البيئات السحابية، ومعايير مشتركة للسياسات والإجراءات الأمنية، وأتمتة شاملة لعمليات النشر والإدارة والتشغيل. هذا التحول لا يقتصر على تحسين الكفاءة التشغيلية فحسب، بل يمثل إعادة تعريف للعلاقة بين البنية التحتية واحتياجات الأعمال من خلال ضمان توافق الاعمال والابتكارات مع الأهداف الاستراتيجية، وتحويل السحابة من مصدر تعقيد إلى محرك للقيمة المضافة، وتحقيق التكامل الحقيقي بين المنصات المختلفة.
لماذا يهم هذا موظفيك؟
عند تطبيق نموذج السحابات المتعددة بشكله الصحيح، تنتشر فوائده في أرجاء المؤسسة، ويصبح يوم العمل أكثر سلاسة للموظفين، خاصةً لموظفي إدارة البنية التحتية، وموظفي تطوير التطبيقات والتشغيل، حيث توفر لهم البيئات الموحدة وأدوات الخدمة الذاتية تجربة عمل متسقة، بدلاً من إضاعة الوقت في التعامل مع خصوصيات كل بيئة سحابية، مما يمكنهم من التركيز على ما يهم حقاً وهو البناء والتطوير.
على سبيل المثال، يستطيع المطورون نشر التطبيقات دون الحاجة لإعادة كتابة الأكواد لكل بيئة سحابية. بينما تتخلص فرق البنية التحتية من عبء تعلم مهارات متفرقة لكل بيئة، أو القلق من سياسات أمنية غير متناسقة. وتصبح المهام الروتينية أسهل، سواء في أتمتة العمليات، أو تطبيق ضوابط الأمن السيبراني، أو حل المشكلات بسرعة.
أما بالنسبة للمدراء، فإن الفوائد تكون ملموسة بنفس القدر، حيث تزيد القدرة على تنفيذ المزيد من المشاريع، ويتوقف التشتت بين واجهات متعددة ووثائق متناثرة، ويصبح تتبع التكاليف أكثر دقة، مما يزيد كفاءة استخدام الموارد، ويمكن من زيادتها أو تقليصها دون الحاجة لإجراءات شراء مطولة.
هذا التنظيم الجديد يخلق إيقاعاً أفضل لاتخاذ القرارات، عندما تتصرف البيئات التقنية بشكل متوقع، يستطيع المديرون التخطيط بثقة أكبر، والتنبؤ بالسعة والأداء والتكاليف دون تخمينات، هذه القدرة على التوقع تقلل من التأخير في تنفيذ المشاريع، وتفتح المجال للابتكار وخلق أفكار جديدة.
فرص قادة التقنية في التحول للحوسبة السحابية المتعددة
على مستوى القيادة العليا، تتحول فوائد الحوسبة السحابية المتعددة إلى مزايا استراتيجية حقيقية، فالنموذج الواضح والمتناسق يمنح مديري تقنية المعلومات رؤية أشمل وأدق للحالة التقنية للمؤسسة، حيث يصبح بمقدورهم توقع أحجام أعباء الأحمال، وتلك الأعباء الزائدة عن الحاجة، ونقاط الخطر المحتملة، هذا التحول يجعل إدارة السحابات المتعددة نشاطاً استباقياً بدلاً من كونه مجرد ردود أفعال طارئة.
ولعل الأهم من ذلك، أن هذا النموذج يُمكن مديري تقنية المعلومات من دعم التحول الرقمي بسرعة وكفاءة، فمع توجه المؤسسات نحو نماذج تقديم الخدمات القائمة على المنتجات، واستكشاف مبادرات الذكاء الاصطناعي والبيانات، تصبح الحاجة ملحة لبنية تحتية تجمع بين المرونة والمتانة. وهنا تبرز قيمة الحوسبة السحابية المتعددة المندمجة بشكل صحيح كأساس متين لهذا التحول.
إن نموذج السحابات المتعددة يؤكد دور مديري تقنية المعلومات كمحفزين استراتيجيين للأعمال. فعندما تصبح العمليات السحابية سلسة وآمنة وقابلة للتوسع، تتحول أدوار موظفي تقنية المعلومات من مركز تكلفة إلى مصدر حقيقي للقيمة المضافة، هذا الجانب يكتسب أهمية خاصة تضع قادة التقنية في كامل دورة حياة الأعمال، بدءاً من نمو الإيرادات، مروراً بتجربة العملاء، ووصولاً إلى الابتكارات الرقمية.
تفعيل النموذج على أرض الواقع
إن الوصول إلى نموذج سحابات متعددة متناغمة لا يعتمد على التقنية وحدها، بل يتطلب تحولاً شاملاً في العمليات والثقافة التنظيمية وإعادة هيكلة الفرق. تنجح العديد من المؤسسات في ذلك عبر إنشاء فرق منصات مركزية تدير البنية السحابية المتعددة كمنتج متكامل، حيث توفر هذه الفرق إطاراً من الضوابط الذكية والأتمتة والحوكمة التي تمكن الفرق الأخرى من العمل بسرعة مع الحفاظ على المعايير.
يأتي التدريب والتواصل في صميم هذا التحول، فإطلاق الأدوات الجديدة دون شرح الرؤية وأثرها على أدوار الموظفين يبقى ناقصاً، بينما حين يستوعب الجميع الفلسفة الكامنة وراء التغيير، يتسارع الاعتماد وتتضاعف القيمة المستخلصة.
هنا يبرز دور مدير تقنية المعلومات القيادي، فبينما يحدد المهندسون والمصممون المسار التقني، تقع على عاتق القيادة العليا مسؤولية قيادة التحول الاستراتيجي، يمتلك مدير تقنية المعلومات أدوات التأثير لتوفير الحوافز، وتأمين الميزانيات، وكسر الحواجز التنظيمية، مما يجعله الأقدر على ترجمة الاستراتيجية من النظرية إلى الممارسة اليومية.
الوضوح فرصة استثنائية
ليس تعدد السحابات موضة عابرة، بل هو توجه متصاعد مع تسارع احتياجات الأعمال للمرونة والصمود، حيث رصدت بعض الدراسات ان ٨٩% من المنشئات متجهة لهذا النموذج. لكن الفارق الجوهري بين فوضى السحابات المتعددة وميزتها التنافسية يكمن في النموذج التشغيلي المعتمد.
ومن هذا المنطلق، تم طرح الاتفاقية الاطارية لخدمات الحوسبة السحابية للجهات الحكومية، حيث تمكن هذه الاتفاقية الجهات الحكومية من طلب خدمات الحوسبة السحابية من جميع مقدمي الخدمات المسجلين في المملكة، مما يتيح لمديري تقنية المعلومات الفرصة لتطبيق نموذج السحابات المتعددة بناء على الاستراتيجية العامة للجهة، وامكانياتها، وخططها المستقبلية.
ختاما، عندما يقود مديرو تقنية المعلومات عملية صياغة هذا النموذج عبر إرساء النظام، وتحقيق الانسجام، ووضع تجربة المستخدم في الصدارة، فإنهم يحددون معايير جديدة لخلق القيمة المرجوة من الحوسبة السحابية على مستوى المؤسسة، إن الهدف الأسمى ليس مجرد استخدام عدة سحابات، بل تحقيق اندماجها لتعمل كنسيج واحد متكامل. هذه هي الحوسبة السحابية المتعددة الحقيقية بكل ما تحمله من وعود.