بين ما نملك وما نشعر… من يصنع السعادة حقًا؟
فدوى عبدالحي (*)
في كل مرة يظن الإنسان أنه اقترب من تعريف السعادة، تتبدل ملامحها وتفلت من بين يديه كأنها فكرة لا تُختزل في كلمات. هل هي ما نملكه؟ أم ما نشعر به؟ هل نصنعها نحن بإرادتنا، أم تأتي إلينا حين تشاء؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس جوهر التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها.
السعادة ليست حدثًا كبيرًا كما يتخيل البعض، ولا نتيجة مباشرة لإنجاز عظيم أو امتلاك شيء ثمين. إنها حالة داخلية أكثر منها ظرفًا خارجيًا، تنمو بهدوء في أعماق الإنسان حين يتصالح مع نفسه، ويهدأ صراعه مع ما لا يستطيع تغييره. قد يملك الإنسان كل مقومات الرفاهية، ومع ذلك يشعر بفراغ لا يُفسَّر، بينما قد يعيش آخر بأبسط الإمكانيات، لكنه يمتلك قلبًا ممتلئًا بالرضا.
هنا تتضح المفارقة: السعادة لا تُمنح بقدر ما تُكتسب. هي ليست هدية من الحياة، بل مهارة يتعلمها الإنسان مع الوقت. مهارة أن يرى النور في التفاصيل الصغيرة، وأن يمنح نفسه فرصة للفرح دون شروط معقدة. أن يتقبل النقص، ويتجاوز فكرة الكمال التي ترهقه أكثر مما تسعده.
لكن القول إن السعادة قرار شخصي فقط، فيه شيء من القسوة. فالحياة لا تسير دائمًا وفق ما نريد، وهناك ظروف تفرض نفسها بقوة: خسارات، ضغوط، أمراض، أو حتى خيبات متكررة. في هذه اللحظات، لا يكون الحديث عن “صناعة السعادة” أمرًا سهلًا أو واقعيًا. ومع ذلك، يظل لدى الإنسان مساحة صغيرة، مهما ضاقت، ليختار كيف يتعامل مع ما يمر به.
السعادة الحقيقية لا تعني غياب الحزن، بل القدرة على العيش رغم وجوده. أن تبتسم لا لأن كل شيء مثالي، بل لأنك قررت ألا تجعل النقص يحرمك من رؤية الجمال. هي تلك القوة الهادئة التي تدفعك للاستمرار، حتى حين لا تكون الطريق واضحة.
إذن، هل نصنع السعادة أم تصنعنا؟ الحقيقة أنها علاقة متبادلة. نحن نمنحها المعنى حين نسمح لها بالدخول إلى تفاصيل حياتنا، وهي بدورها تعيد تشكيل نظرتنا للعالم. كل موقف نعيشه، وكل فكرة نتبناها، تسهم في رسم ملامح سعادتنا الخاصة.
في النهاية، ليست السعادة محطة نصل إليها ثم نتوقف، بل أسلوب حياة يتجدد كل يوم. نصنعها حين نختار أن نرى، لا فقط أن ننظر… وأن نشعر، لا فقط أن نعيش. وبين هذا وذاك، يكمن السر الذي يبحث عنه الجميع، ويجده فقط من قرر .اللهم اجعل السعادة ترافق دروبنا أينما توجهنا .
(*) كاتبة صحفية